السيد حسن القبانچي

15

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

معها الإخلاص ، وهذا اللون من العبادة غير نافع ، إنما الإخلاص والعزم والجد والمثابرة - هذا كله - هو المدار في كل الأعمال والعبادات وغيرها من الأمور . ودعوة الإمام هذه إلى العبادة هي نفسها محض الإخلاص ، تبتغي وجه اللّه وترجو فضله . وهي في الواقع مستمدة من المنبع المعين الذي لا يغيض ، مستمدة من القرآن الكريم . فالقرآن تكاد تغلب عليه صبغة الدعوة المخلصة إلى اللّه تعالى وعبادته ، والإيمان به وحده دون من عداه . القرآن يدعو الناس ويلح في دعوته إلى أن يعملوا من أجل التوصل إلى العبادة بإخلاص . وأن يضربوا في الأرض إن كان التوصل إلى العبادة متوقفا على هذا الضرب في الأرض . القرآن يكثر التأكيد على أن الذين يترددون في إيمانهم فهم غير رابحين وأن الذين يشركون مع اللّه إلها آخر فليسوا مفلحين . بينما يؤكد في نفس الوقت على أن الذين آمنوا باللّه ودخل الإيمان قلوبهم وأسلموا وأنابوا فأولئك يغفر اللّه لهم ويتجاوز عنهم ويبدل سيئاتهم حسنات ، ويجعل لهم عنده مقاما محمودا ومنزلة عليا تجاه ما أتوه من عمل ، وما قدموه بين أيديهم من معروف . * * * إن حقيقة العبادة تتمثل في أمرين رئيسين : الأول : هو استقرار معنى العبودية للّه في النفس ، أي استقرار الشعور على أن هناك عبدا ، وربا ، عبدا يعبد ، وربا يعبد . وأن ليس وراء ذلك شيء ، وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار . ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود ، وإلا رب واحد والكل له عبيد . والثاني : هو التوجه إلى اللّه بكل حركة في الضمير ، وكل حركة في الجوارح ، وكل حركة في الحياة . التوجه بها إلى اللّه خالصة ، والتجرد من كل شعور آخر ، ومن كل معنى غير معنى التعبد للّه . والعبادة ليست طاعة القهر والسخط ، ولكنها طاعة الرضا والحب . وليست طاعة الجهل والغفلة ، ولكنها طاعة المعرفة والحصافة ! . قد تصدر الحكومة أمرا بتسعير البضائع ، فيقبل التجار كارهين . أو أمرا بخفض الرواتب ، فيقبل الموظفون ساخطين . . .